أهلاً بكم أيها السادة المستثمرون، عندما تلقيتُ طلبكم للحديث عن "الموارد البشرية: التحقق من الخلفية والتعيين"، تذكرتُ على الفور قصة أحد العملاء قبل عامين. كان مستثمراً ذكياً جداً، أدار أعماله التجارية الإلكترونية بنجاح، لكنه وقع في فخّ تعيين مدير مالي بمجرد "انطباع أول رائع" خلال المقابلة. بعد ستة أشهر فقط، اكتشف أن هذا المدير كان يختلس الأموال تدريجياً عبر فواتير وهمية. خسر العميل ما يقارب 200 ألف دولار، والأهم من ذلك، اهتزت ثقته في فريق العمل بأكمله. هذه القصة ليست نادرة، بل هي درس مؤلم يدفعنا للتفكير: هل فحصنا هوية من نستضيفه في شركاتنا كما يجب؟

في عالم الأعمال اليوم، أصبح التحقق من الخلفية (Background Screening) أحد الركائز الأساسية لإدارة الموارد البشرية الحديثة، لكنه في كثير من الأحيان يُهمَل أو يُنفَّذ بشكل سطحي. سأتكلم معكم اليوم بصفتي شخصاً قضى 14 عاماً في خدمة الشركات الأجنبية التي تدخل السوق، و12 عاماً في شركة جياشي للضرائب والمحاسبة. سأكشف لكم الجوانب العملية لهذه العملية، بعيداً عن التنظير، لأنني أؤمن أن "العلم النافع هو الذي يُفتح به باب الرزق" كما نقول في بلادنا.

أولاً: الأساسيات القانونية

عندما نبحث عن موظفين، أول ما يتبادر إلى الذهن هو التحقق من الشهادات والهوية. لكن الحقيقة أن التحقق القانوني أعمق بكثير. يشمل ذلك فحص السجل الجنائي، والتحقق من عدم وجود أحكام قضائية متعلقة بالنزاهة المالية مثل قضايا الاحتيال أو خيانة الأمانة. في خبرتي العملية، واجهت حالة لمرشح لمنصب محاسب أدلى بشهادة خبرة مزورة من شركة وهمية. المشكلة أن شركتنا كنا نتعامل مع شركة استقدام محلية، ولم نطلب منهم سوى "التحقق من الهوية" فقط، بينما كان ينبغي أن نطلب "التحقق من السجل الجنائي التجاري" وهو مصطلح متخصص في بلدان الخليج يشمل القضايا الاقتصادية.

لاحظت أن بعض المستثمرين العرب، وخاصة أولئك الذين يأتون من بيئات عائلية، يميلون إلى "الثقة الشخصية" في التعيينات. ومن هنا أقول لكم بصراحة: هذه الثقة هي أساس الفشل الإداري. لا يعني ذلك أن نكون متشككين في الجميع، لكن يجب أن نفهم أن العملية القانونية للتحقق هي أيضاً حماية للطرفين: الشركة والموظف. فالموظف الجيد سيشعر بالأمان عندما يعلم أن الشركة تلتزم بالمعايير المهنية، ولن يشعر بالإهانة إذا شرحنا له أن هذه إجراءات روتينية.

أحد الجوانب التي ينساها الكثيرون في هذا السياق هو "مكافحة غسل الأموال" (Anti-Money Laundering) ضمن إجراءات التحقق، خاصة في الشركات المالية أو تلك التي تتعامل مع التحويلات الدولية الكبيرة. هذا الأمر بالغ الأهمية، وقد كان سبباً مباشراً في رفضنا لمرشحين كانوا ممتازين من الناحية الفنية، لكنهم كانوا مقربين من أشخاص مدرجين على قوائم العقوبات. ليس هذا تجسساً، بل التزاماً بالامتثال التنظيمي الذي يحمي الشركة من مخاطر مستقبلية لا تُحتمل.

ثانياً: الشهادات والمؤهلات

غالباً ما أسأل عملائي سؤالاً بسيطاً: هل طلبت من مرشحك إحضار "الشفرة السرية" أو "الرقم الموثّق" لشهادته من وزارة التعليم؟ بالطبع، معظمهم ينظرون إليّ بدهشة. لكنني أذكر لهم تجربة شخصية: كان علينا تعيين مهندس معماري لمشروع ضخم، والشهادة التي أحضرها كانت تبدو مثالية. عند التواصل مع الجامعة عبر الرابط الإلكتروني الموثق، اكتشفنا أن رقم الشهادة يعود لشخص آخر تماماً. تخيلوا لو أن شركتنا وقعت في هذا الفخ؟ لو كنّا في مرحلة عقد رسمي، لكانت الكارثة مضاعفة.

بالإضافة إلى الشهادات الأكاديمية، يجب التحقق من الشهادات المهنية مثل CMA، CPA، PMP وغيرها. هذه الشهادات لها مواقع رسمية وموثقة، ويمكن الاستعلام عنها خلال دقائق. لكن المهم أيضاً هو التحقق من "تاريخ الحصول على الشهادة" وليس فقط وجودها. ففي سوقنا، نجد بعض المديرين الذين حصلوا على شهاداتهم منذ عشرين عاماً ولم يحدّثوا معرفتهم قط، وهذا التحقق يؤثر على تقييم كفاءتهم الحالية وليس ماضيهم فقط.

من ناحية أخرى، أنا هنا أتذكر تحدياً واجهناه: مرشحون من جنسيات معينة يصعب التحقق من شهاداتهم بسبب الصعوبات الإدارية في بلدانهم. بدل أن نتجاهلهم، كنا نكلفهم بتقديم "المعادلة الأكاديمية" من شركات متخصصة، أو نطلب منهم معادلة من هيئة التعليم العالي المحلية. هذا حل داخلي عملي، لكنه يتطلب صبراً من إدارة الموارد البشرية. أقول لكم: لا تقبلوا بالروتين القاتل، بل طوّروا حلولاً عملية إبداعية للتحقق من المؤهلات، فقد تخسرون كفاءات ممتازة بسبب التقصير في إجراءات التحقق كما يظن البعض، وهذا خطأ شائع.

ثالثاً: الخبرات السابقة

التحقق من الخبرات السابقة هو من أصعب الجوانب وأكثرها تعقيداً. يعتقد الكثيرون أن مجرد الاتصال بالشركة السابقة للتأكد من المسمى الوظيفي كافٍ. لكنني اكتشفت على مر السنين أن بعض الشركات تقدم معلومات "محايدة إيجابية" لموظفيها السابقين، خوفاً من الدعاوى القضائية أو لعلاقات شخصية. في المقابل، وجدت حالات موظفين مدّوا خبراتهم لسنوات وهمية وربطوها بمشاريع لم تكن موجودة أصلاً.

منهجية أفضل اتبعتها مع عملائنا هي "التحقق الميداني الجزئي": نطلب من المرشحين تقديم ثلاثة مراجع على الأقل، ونحرص على التواصل المباشر معهم عبر مكالمة فيديو بدلاً من الرسائل المكتوبة. هذه المقابلات المرجعية تكشف معلومات غير متوقعة. ذكر أحد المراجع ذات مرة أن المرشح كان يتقن إدارة المشاريع، لكنه كان يفشل في التعامل مع فرق العمل متعددة الثقافات، وهذا الخلل في "المهارات الناعمة" يؤثر سلباً على أدائه في شركتنا ذات الطابع الدولي. هذا النوع من المعلومات هو الذي يوجه قرارنا النهائي.

أصحح هنا مفهوماً خاطئاً سائداً: بعض الإداريين يعتقدون أن الشركة الأجنبية لا تطلب مراجع سابقة لتحقق شامل، لكن الواقع أن الشركات المتعددة الجنسيات تخضع لهذه الإجراءات أكثر من غيرها. على سبيل المثال، عندما كنا نخدم عملاء أوروبيين، كانوا يشترطون في إجراءات "المستوى الثالث" وثائق تفصيلية عن آخر ثلاثة مناصب شغلها المرشح بالتواريخ ومواقع العمل. هذا يبدو مملاً، لكنه يضمن أن المرشح لا يبالغ في مسؤولياته السابقة، وهو أمر شائع جداً في سوقنا العربي.

في أحد مشاريعنا، اكتشفنا بالصدفة أن مرشحاً لمنصب تنفيذي كان يتقاضى راتباً في وظيفته السابقة مضاعف ما صرح به لنا، لأنه كان يضيف مكافآت وحوافز لا تعتبر جزءاً من الراتب الثابت في سجلات تأمينات الدولة. هذا سبب جدلاً داخلياً، لكن النهاية كانت واضحة: عدم الدقة الشديدة في تصريحات المستخدم تعتبر إشارة خطر حتى لو كانت في التفاصيل المالية. إذن، تأكدوا من أوراق العمل أو "تأمينات نهاية الخدمة" التي تحدد بدقة الرواتب. هذه الممارسة تحميكم من المفاجآت لاحقاً.

رابعاً: السمعة المهنية والأخلاقية

نصل الآن إلى ما أسميه "العين الباطنية" أو الفحص غير المباشر. هذا الجانب يتعلق بسمعة المرشح في السوق، خلفيته التعاقدية، ومدى احترامه للقوانين الداخلية لشركاته السابقة. كيف نتحقق من ذلك؟ أولاً، من خلال محادثات عابرة مع مزودي الخدمات والبنوك والموردين الذين تعاملوا سابقاً مع المرشح، إذا سمحت الظروف. ثانياً، من خلال الأسئلة السلوكية في المقابلة. أذكر مثالاً: سألت مرشحاً سؤالاً بسيطاً: "صف لي موقفاً اضطررت فيه لمخالفة تعليمات مديرك لتحقيق مصلحة عمل"، فتردد كثيراً ثم قال انه لم يحدث أبداً. عند التحقق من هذه النقطة لدى مرجع سابق، أكد لي أنه كان معروفاً بعناده وشجاراته الدائمة مع الرؤساء. هذا النوع من المعلومات لا يظهر في نطاق التحقق التقليدي.

أضيف هنا أيضاً "التحقق من وسائل التواصل الاجتماعي". قد يكون هذا مثيراً للجدل من ناحية الخصوصية، لكنه أداة واقعية. نشاهد منشورات المرشح، ومستوى الاحترافية في تعامله المهني، وإن كان يميل إلى نشر خطاب وسطية أو متطرف يتعارض مع قيم شركتك. مع هذا، نحذر من التمييز بناءً على السياسة أو الآراء الشخصية، لكننا نبحث عن مؤشرات على السلوك الأخلاقي العام مثل الكذب في "قصص النجاح" التي يسوقها، أو نسبة عالية من التذمر من أصحاب عمل سابقين يوحي بنمط سلوكي مزمن.

في الواقع، خطرت لي حكاية لم أعد أستغربها: تعمل لدينا في جياشي خدمة تسجيل الشركات الأجنبية، وطلب منا أحد المستثمرين تسجيل شركة صغيرة، وحدث صدفة أن جلسنا في مجلس عربي وتعرفنا على مرشح مُنح وظيفة في تلك الشركة لاحقاً من دون تحقق شامل. فعلنا ما يلزم من نصائح لكنه تجاهلها، وبعد أشهر اكتشف أن هذا الموظف كان متورطاً في سرقة أفكار مشاريع وبيعها لمنافس. هنا أدركنا مرة أخرى أن التحقق من السمعة ليس مجرد إجراء ورقي، بل هو عملية استقصاء ذكية تجمع مصادر متعددة من المعلومات. لذلك أنصحكم أن تكونوا "محققين" بقدر ما أنتم "موظفون إداريون".

خامساً: الفحص الطبي واللياقة

الفحص الطبي السابق للتعيين، أو Pre-employment Medical Exam، لا يقتصر على الأمراض المعدية أو فحص المخدرات فقط. ففي المهن الحساسة مثل القيادة أو التصنيع الدقيق، يجب أن يتضمن اختبارات نظر وسمع، وقياس ضغط الدم، وتحققاً من اللياقة البدنية المتوافقة مع متطلبات الوظيفة. تأخرنا مرة في شركة لتعيين مشرف لوجستي، فمكثنا أسبوعين محاولين فهم سبب انخفاض إنتاجيته، فاكتشفنا لاحقاً أنه لم يُجرَ فحص النظر وأنه كان يخطئ في قراءة أكواد المستودعات مما سبب ضياع شحنات كاملة.

أيضاً، يجب على الجهة الموظفة توخي الحذر الشديد بشأن "الفحص النفسي" في الوظائف الحساسة. طلبت إحدى الشركات العميلة تعيين موظفين لخدمة العملاء بمركز اتصال، وكانوا يواجهون شكاوى كثيرة بسبب السلوك غير اللائق. أضفنا تقييماً نفسياً بسيطاً يقيس الاستقرار الانفعالي والتحكم بالضغوط، فقلت الشكاوى بنسبة 50% خلال ثلاثة أشهر. ليس الفحص النفسي للتطفل على الحريات الشخصية، بل للتأكد من أنه لا يوجد خلل نفسي واضح يؤثر على السلامة العامة أو كفاءة العمل، مثل النوبات الغضب الحادة أو اضطراب فرط الحركة الشديد.

أنوه هنا إلى أن موضوع الفحص الطبي حساس من الناحية الثقافية والقانونية في العالم العربي. لذلك، يجب أن تكون هذه العملية بشفافية تامة وبموافقة المرشح، وأن تُنفذ وفق قوانين العمل المحلية وأنظمة التأمين الصحي الخاصة بكل دولة. هناك نقاش دائم حول مدى استعمال الفحص لتقييم الحالات المزمنة مثل السكري أو الأمراض المزمنة، وهنا أؤكد على أن القاعدة الذهبية هي: لا تستبعد أي مرشح إلا إذا كانت حالته تعرقل أداء المهام الأساسية للوظيفة، وحينها يجب توثيق ذلك كتابياً وبشكل احترافي. في يومنا هذا، لاحظت أن بعض الشركات تستخدم الفحص الطبي كذريعة لاستبعاد كبار السن أو ذوي الاحتياجات الخاصة، وهذا تمييز محرم في معظم الأنظمة.

سادساً: إجراءات المقابلة النهائية

بعد اجتياز مراحل التحقق، تبدأ مرحلة المقابلة النهائية بمعنى أدق. طبعاً، المقابل الأولى هي غربلة عامة، لكن المقابلة النهائية هي اختبار حقيقي للمواءمة الثقافية والقيمية. لديّ نظرية خاصة أسميها "التحقق من التناغم الأربعة": التناغم مع رسالة الشركة، مع القيم الأخلاقية، مع أسلوب الإدارة، ومع ثقافة الزملاء. هذا التناغم يصعب قياسه بالأرقام، لكنه يكشف خلال المحادثة عندما تُطرح أسئلة عن المواقف الصعبة والإخفاقات السابقة.

في هذه الجلسة، يجب أن يكون الحضور من الإدارة العليا وليس فقط مدراء الموارد البشرية. أذكر حالة مؤثرة في سابقة عملية: مرشح كان قد قدم تاريخاً ممتازاً، وجميع التحقيقات كانت سليمة، لكن يوم المقابلة ضايق الموظفة الاستقبالية التي كانت حاملاً في شهرها الثامن بسبب ملاحظة جارحة عن مواعيدها الطويلة في الحمام. رغم ذلك، مرّ بتلك المرحلة لأن مدير الموارد البشرية لم يلاحظ الحادثة. لكن بعد أن أبلغت الموظفة، عدنا للمراجعة، وقررنا عدم التعيين بعد عدة مناقشات. هذا مثال أن المقابلة النهائية هي فرصة لتقييم "الأخلاقيات الميدانية" التي لا تظهر في الشهادات ولا في فحص الخلفية.

أيضا، من الممارسات الجيدة أن نقوم بمقابلة جماعية تضم مجموعة من الزملاء المحتملين، مثل "محادثة القهوة" التي تتيح تفاعلاً عففياً. هذا يسمح لنا بملاحظة التواصل الاجتماعي الحقيقي وليس المصطنع. كشفت هذه الجلسة في إحدى المرات عن أن مرشحة ممتازة فنياً تتجنب الاتصال البصري وتصمت تماماً في النقاشات الجماعية، وعند استفسارنا اكتشفنا أنها تعاني من رهاب اجتماعي شديد قد يعيق عملها في التنسيق الإداري. هذا لا يعني استبعادها كلياً، لكنه يوجهنا لتعديل المسمى الوظيفي وتقليل متطلبات التواصل المباشر، وهذا مثال على المرونة الذكية في التوظيف.

الموارد البشرية: التحقق من الخلفية والتعيين

سابعاً: التوثيق والأرشفة

من الجوانب التي يستهين بها الكثيرون، لكنها من وجهة نظري شريان الإدارة الصحيحة، هي التوثيق والأرشفة الدقيقة لجميع إجراءات التحقق. التقارير الموقع عليها من المرشح، نسخ من الهويات، خطابات المرجع، وسجلات الفحوصات الطبية، كلها يجب أن تحفظ في ملف موظف مركزي وآمن. يبدو الأمر روتينياً، لكن له بعد قانوني هام: عند نزاعات العمل لاحقاُ، هذه المستندات هي العنصر الفيصل في إثبات "العناية المهنية الواجبة" من طرف صاحب العمل.

دعني أضرب مثلاً توضيحياً . منذ سنوات، تقدمت شابة بشكوى ضد شركة نخدمها بعد فسخ عقدها، وادعت أنها تميزت بأسباب دينية. بفضل ملف التوثيق لدينا، تمكنّا من إظهار جميع المراحل التي تمت فيها التحقيقات والنتائج التي أظهرت أن أداءها لم يكن بالمستوى المطلوب، وأن التقارير الميدانية كانت سلبية باستمرار. هذا التوثيق أنقذ الشركة من دفع تعويضات كبيرة. إذن، أناشدكم أيها الإداريون: اعتبروا أن "من لا يكتب لا يوجد".

نضيف إلى التوثيق أهمية إعلام المرشح بالنتائج السلبية بطريقة محترمة ومهنية. لا تُرسل بريداً إلكترونياً جافاً فقط، بل اتصل به أو اعقد جلسة قصيرة عبر الفيديو لشرح أسباب الرفض. هذا قد يكون مؤلماً بعض الشيء، لكنه يبني سمعة إيجابية للشركة في سوق العمل. كثيراً ما نسمع عن مرشحين يذمون شركات لم تُعطهم رداً أو تفسيراً حول أسباب الرفض، مما يشوه صورة الشركة لدى المواهب. إذا فعلنا التوثيق وأرشفة كاملة، تستطيع إدارة الموارد البشرية أن تقدم ملاحظات بناءة للمرشح دون كشف أسرار منافسين أو مراجع.

من وجهة نظر تقنية حديثة، آراجع مع عملائي اليوم أنظمة إدارة استحقاقات الموظفين التي تستخدم نظام تتبع المتقدمين (ATS) وحلول التحقق الإلكتروني المتكاملة. هذه الأنظمة تتيح توقيعاً إلكترونياً للوثائق وتخزيناً سحابياً آمناً موثقاً قانونياً، مما يختصر الوقت ويقلل الأخطاء البشرية. ومع ذلك، أؤكد على أنه يجب أن تبقى هذه الأنظمة مرنة وقابلة للتعديل بما يتوافق مع عادات العمل المحلية في الدول العربية، لأن التعامل البشري المباشر هو أساس النجاح في ثقافتنا.

ثامناً: التحديث الدوري

التحقق من الخلفية ليس عملية لمرة واحدة تنتهي عند يوم التوقيع على العقد. بل هي عملية مستمرة. هذا ما أسميه "التتبع الدوري للمخاطر" (Continuous Risk Monitoring). نطبق هذا المفهوم على جميع العاملين، خاصة في المناصب الحساسة. تتعرض حياة الناس للتغيرات: قد يواجه الموظفون مشكلات مالية، أو يظهرون فجأة in نماذج سلبية في تعاملاتهم. الحديث هنا ليس عن مراقبة تجسسية خفية، بل عن مراجعة دورية للبيانات المنشورة قانونياً مثل السجلات التجارية أو الشؤون القضائية العلنية.

تخيل أنك تعاقدت مع مدير مشتريات ممتاز، وبعد ثلاث سنوات اكتشفت أنه أنشأ شركة تجارية مسجلة باسم زوجته تتعامل مع الموردين الذين يتعامل معهم هو مباشرة دون تصريح لجهة العمل. هذا تعارض مصالح صريح، وكان يمكن اكتشافه مبكراً إذا كانت الشركة تقوم بمراجعة سنوية للمصالح المسجلة (Conflict of Interest Declaration). أصبحنا في جياشي ننصح عملاءنا بإجراء هذه المراجعات كل 12 إلى 18 شهراً. ستوفرون على أنفسكم خسائر كبيرة وتجنبون أنفسكم وكذلك الموظفون أنفسهم مسؤوليات كبرى لو اكتشف الأمر متأخراً.

لكن أقولها بكل وضوح، هناك خط رفيع بين الاهتمام المهني والتطفل غير المقبول على الحياة الخاصة. عند التحديث الدوري، يجب أن يقتصر الأمر على المجال المهني، وأن يكون الإطار القانوني واضحاً في عقد العمل، وأن يُعلم الموظفون بأن هذا الإجراء معتاد وحماية لمصالح الجميع. مع مرور الوقت، قد يثق الفريق في الإدارة ويصبحون هم أنفسهم محفزين لعدم السماح بأي خلل أخلاقي، وهذا هو الهدف الأسمى للأرشفة المهنية الذكية.

هناك جانب آخر أود التركيز عليه وهو تأثير الوسائط الاجتماعية الجديدة في التحديث الدوري. فقد أصبح هناك ما يسمى بـ "فحص السمعة الرقمية" وهو عملية متفق عليها بشكل متزايد، حيث تُفحص المنصات المهنية مثل LinkedIn و Twitter الخاصة بالموظفين الحاليين في مناصب حساسة للبحث عن مؤشرات للتحدث عن أسرار الشركة، أو التعليقات غير اللائقة، أو تعزيزات لسلوكيات تتعارض مع سياسات السرية. في رأيي، هذه العملية مرهقة ولا ينبغي أن تكون مستمرة، لكنها مفيدة جداً عند الترقيات الداخلية للمناصب التنفيذية العليا أو عند تغيير المسؤولية لوظائف جديدة حساسة.

التوصيات والنظرة المستقبلية

في ختام هذا التحليل، أود أن أقول إني أتطلع إلى أن نرى شركات عربية تعتمد "التحقق الديناميكي" بطريقة تكاملية بدلاً من الفحص السطحي التقليدي. سيكون الاستثمار في أدوات تحليل البيانات الضخمة في هذا المجال من أفضل الاستثمارات الأخلاقية، حيث يمكننا تحليل البيانات المتاحة قانونياً لتوقع أنماط الخطر المالي وغيرها. ومع ذلك، وبصفتنا "جياشي"، نعلم أن العامل البشري القديم يبقى الأهم، وهو الحوار الصريح مع الفريق.

أتمنى من الشركات العربية الخاصة أن تبدأ في بناء أدلة إجراءات موارد بشرية واضحة وشفافة، وأن تُشرك المستشارين القانونيين وأخصائيي التحقق من الخلفية في كل مراحل التصميم، وليس عند حدوث المشاكل فقط. كما أنني أدعو الجامعات ومؤسسات التعليم إلى إنشاء مقررات متخصصة في "ادارة مخاطر الموظفين واستبصارهم"، فغالبية شبابنا لا يعرفون كيف يدافعون عن أنفسهم في هذا المجال المهني الشائك، والمنافسة تزداد كل يوم.

قد يتساءل البعض عن الميزانية اللازمة لهذه الإجراءات الشاملة، لكن يمكنني أن أؤكد لكم من الخبرة أن ما تصرفونه على التحقق القوي هو تأمين رخيص بالمقارنة مع كلفة القرارات الخاطئة التي لا يتم تصحيحها إلا بالدمار الإداري. تقودنا التجارب الممتدة لعقود إلى هذا الاستنتاج الحاسم: التحقق الجيد هو ليس عائقاً أمام سرعة التعيين، بل هو الطريق السريع السليم نحو بناء فرق قوية وأخلاقية ومتماسكة.

وسأختم بالقول الاعتيادي الذي أكرره في جلسات الاستشارة: يدك اليمنى تكتب العقد، ويدك اليسرى توقع شيكات الرواتب، بينما أنت بحاجة إلى عقل متفتح يميز بين الأشخاص قبل توظيفهم. نعم، التوظيف هو قرار استثماري بامتياز، وهو من أصعب القرارات التي يمكن أن يتخذها إنسان يومي.

رؤية شركة جياشي

في شركة جياشي للضرائب والمحاسبة، ننظر إلى التحقق من الخلفية والتعيين كجزء لا يتجزأ من خدمتنا الاستشارية المتكاملة للشركات الأجنبية والداخلية التي نخدمها منذ سنوات. نحن ندرك تماماً أن نجاح السجلات المالية لأي شركة يعتمد في المقام الأول على نزاهة وكفاءة العاملين فيها، لذلك نضع بين أيديكم نخبة من الخبرات في تطوير سياسات التوظيف الأخلاقية، ونشارككم بأحدث المناهج العملية لضمان أن تكون كل وظيفة تُملأ بالشخص المناسب، في المكان المناسب، وبالثقافة المطلوبة. تركز جياشي على جعل "التحقق" عملية ميسورة التكلفة، وواضحة الأهداف، وقابلة للقياس من حيث عائد الاستثمار، تماماً كما نتعامل مع كل خدمة نقدمها في الضرائب والمحاسبة والامتثال. لخدمتنا خصوصية تتجلى في قدرتنا على فهم قوانين الدول العربية والشركات الأجنبية الناشئة فيها، ونصمم برامج موارد بشرية قابلة للمواءمة المحلية. نحن لا نكتفي بسرد النصيحة، بل نقدمها بأدوات عملية، لأننا نؤمن بأن الشركة السليمة الموارد البشرية هي أساس الشركة السليمة ماليةً.